عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
11
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
المقدمة بسم اللّه الرحمن الرحيم ، الحمد للّه وحده والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده ، لما كان الحق هو المطلوب من إنشاء هذا الكتاب ، لزمنا أن نتكلم فيه على الحق سبحانه وتعالى من حيث أسماؤه أولا إذ هي الدالة عليه ، ثم من حيث أوصافه لتنوع كمال الذات فيها ؛ ولأنها أول ظاهر من مجالي الحق سبحانه وتعالى ولا بعد الصفات في الظهور إلا الذات ، فهي بهذا الاعتبار أعلى مرتبة من الاسم ، ثم نتكلم من حيث ذاته على حسب ما حملته العبارة الكونية ، ولا بد لنا من التنزل في الكلام على قدر العبارة المصطلحة عند الصوفية ، ونجعل موضع الحاجة فيها موشحا بين الكلام ليسهل فهمه على الناظر فيه ، وسأنبه على أسرار لم يضعها واضع علم في كتاب من أمر ما يتعلق بمعرفة الحق تعالى ومعرفة العالم الملكي والملكوتي ، موضحا به ألغاز الموجود كاشفا به الرمز المعقود ، سالكا في ذلك طريقه بين الكتم والإفشاء ، مترجما به عن النثر والإنشاء ، فليتأمل الناظر فيه كل التأمل ؛ فمن المعاني ما لا يفهم إلا لغزا أو إشارة ، فلوذ ذكر مصرّحا لحال الفهم به عن محله إلى خلافه ، فيمتنع بذلك حصول المطلوب ، وهذه نكتة كثيرة الوقوع ؛ ألا ترى إلى قوله تعالى : وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ « 1 » فلو قال : على سفينة ذات ألواح ودسر ، لحصل منه أن ثم سفينة غير المذكورة ليست بذات ألواح . ثم ألتمس من الناظر في هذا الكتاب بعد أن أعلمه أني ما وضعت شيئا في هذا الكتاب إلا وهو مؤيد بكتاب اللّه أو سنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، أنه إذا لاح له شيء في كلامي بخلاف الكتاب والسنة ، فليعلم أن ذلك من حيث مفهومه لا من حيث مرادي الذي وضعت الكلام لأجله فليتوقف عن العمل به مع التسليم إلى أن يفتح اللّه تعالى عليه بمعرفته ، ويحصل له شاهد ذلك من كتاب اللّه تعالى أو سنة نبيه ، وفائدة التسليم هنا وترك الإنكار أن لا يحرم الوصول إلى معرفة ذلك ، فإن من أنكر شيئا من علمنا هذا حرم الوصول إليه ما دام منكرا ، ولا سبيل إلى غير ذلك ، بل ويخشى عليه حرمان الوصول إلى ذلك مطلقا بالإنكار أول وهلة ، ولا طريق له إلا الإيمان والتسليم . واعلم أن كل علم لا يؤيده الكتاب والسنة فهو ضلالة ، لا لأجل ما لا تجد
--> ( 1 ) آية ( 13 ) سورة القمر .